الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
171
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إليه كلاما . فأجابه اللّه بكلام . وقال اللّه هذا الكلام له على لسان الملك الموكل بتعذيبه تأييسا له من النجاة في الدنيا وفي الآخرة ، تلك النجاة التي هي مأمولة حين قال : آمَنْتُ [ يونس : 90 ] إلى آخره ، فإنه ما آمن إلا وقد تحقق بجميع ما قاله موسى ، وعلم أن ما حل به كان بسبب غضب اللّه ، ورجا من اعترافه له بالوحدانية أن يعفو عنه وينجيه من الغرق . ويدل على ذلك قول اللّه عقب كلامه فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ كما سيأتي . والاستفهام في آلْآنَ إنكاري . والآن : ظرف لفعل محذوف دل عليه قوله : آمَنْتُ [ يونس : 90 ] تقديره : الآن تؤمن ، أي هذا الوقت . ويقدر الفعل مؤخرا ، لأن الظرف دل عليه ، ولأن محط الإنكار هو الظرف . والإنكار مؤذن بأن الوقت الذي علق به الإنكار ليس وقتا ينفع فيه الإيمان لأن الاستفهام الإنكاري في قوة النفي ، فيكون المعنى : لا إيمان الآن . والمنفي هو إيمان ينجي من حصل منه في الدنيا والآخرة . وإنما لم ينفعه إيمانه لأنه جاء به في وقت حصول الموت . وهو وقت لا يقبل فيه إيمان الكافر ولا توبة العاصي ، كما تقدم عند قوله تعالى : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [ النساء : 18 ] . و ( الآن ) اسم ظرف للزمان الحاضر . . . وقد تقدم عند قوله تعالى : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ في سورة الأنفال [ 66 ] . وجملة : وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ في موضع الحال من معمول ( تؤمن ) المحذوف ، وهي مؤكدة لما في الاستفهام من معنى الإنكار ، فإن إيمانه في ذلك الحين منكر ، ويزيده إنكارا أن صاحبه كان عاصيا للّه ومفسدا للدين الذي أرسله اللّه إليه ، ومفسدا في الأرض بالجور والظلم والتمويه بالسحر . وصيغة : كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ أبلغ في الوصف بالإفساد من : وكنت مفسدا ، كما تقدم آنفا ، وبمقدار ما قدّمه من الآثام والفساد يشدّد عليه العذاب . والفاء التي في قوله : فَالْيَوْمَ فاء الفصيحة ، تفصح عن شرط مقدر في الكلام يدل عليه السياق . والمعنى : فإن رمت بإيمانك بعد فوات وقته أن أنجيك من الغرق فاليوم ننجيك ببدنك ، والكلام جار مجرى التهكم ، فإطلاق الإنجاء على إخراجه من البحر